الكاتبة الريادية: ربوع جابر

أغمضي عينيكِ، افتحي ذراعيكِ على وسعهما، دعي النسيم يعانقك ويتخلّلَ مسامك لينعش روحك، سأطلق سراح شعركِ الآن، و دعيه يراقص المحيط بخصلاته الملتفة بطريقة موسيقية بديعة، كل شيء من حولنا ياصغيرتي يحمل لحنه الخاص، لونه الخاص، شعوره الخاص.تلاشى الصوتُ من حولي، وداهمتني وحشةٌ غريبة عندما شد الصمت قبضته على عنقي، بدأ الهواء يهرب مني، يا إلهي أنا أغرق، صرخت بما تبقى من قوة: النجدة أنقذوني.

وانطفأ كل شيء.بقي صدى أفكاري يتردد بين جنباتي، وكأن دماغي يقظ تماماً لكن لايجد سبيلاً نحو حواسي ليوقظها.لا أدري كم مضى من الوقت، لكنني استطعت أن أفتح عيناي، وعلى وسعهما لم يستوعبا ما رأتا، لا زلتُ تحت الماء، لكنني أرى وأتنفس وكأنني على الأرض، نظرتُ للأسفل قدماي تلامس القاع لكنني لا أشعرُ بهِ، لحظة لونهما غريب ويدي كذلكَ الأمر،بيضاء تماماً، يا إلهي ماذا يحدث؟حاولت البكاء لكن دون أي جدوى و صرخاتي مكتومة، أنا لا مرئية حقاً،تناهت لي فكرة :هل توفيتُ؟تكورتُ على نفسي بوضعية الجنين، و تمنيت لو عدتُ جنيناً في رحم أمي، لكان أرحمَ من مأساتي هذه.وعندما فكرتُ بأمي تردد صدى صوتها في ذاكرتي: *نحن لا نموت جسداً، نحن نموت عندما يموت الحب في أرواحنا، ابحثي عن الحب وستجدين فيه نجاتكِ*تذكرّت متى آخر مرة ناقشتُ نفسي ومن حولي بحبٍّ، تراءت لي أيامي الماضية و أعصابي تفلت سوط كلماتها لأتفه الأمور، تذكرت كسرات الخاطر يلي تسببت بها لعائلتي و لأصدقائي وعاودتني نصيحة أفلتت من أمي ذات يوم: من سار بين الناس جابراً الخواطر أدركته رحمة الله و هو في جوف المخاطرو ها أنا في عمق المخاطر، ولا أعرف سبيلاً للنجاة، لكن لن أستسلم، وقفت وحاولت الارتفاع قليلاً عن الأرض، لكن رغم شفوفيتي شعرتُ بثقلٍ غريب يشدني للأسفل، حاولت المشي و ساقتني قدماي لمكان جميلٍ بحق، شعبٌ المرجان الأحمر تفرشُ المكان، وسمكات ملونة لطيفة تسبح هنا وهناك، و ها هي قادمة نحوي لكنها عبرتني قبل أن أبدي أي ردة فعل، و وقعَ نظري على زجاجة تهتز و تشع بلون أخضر، لطالما مقته رغم تلون عيناي به، اقتربتُ منها وعندما لمستها وأنا موقنة بأنني لن ألتقطها، ابتلعتني و وجدتني في حضرة فتاة ما، استدارت نحوي و إذ بها أنا، خاطبتني:_ لن تعودي إلي ونعود معاً لحياتنا حتى تتخلصي من أدرانِ خلقك السيء، كلامك الجارح، وعندما تتطهرين تماماً سيخف ثقلك و ستلفظك أمواج الحقيقة._حقاً بدأت أشعر بفداحة ما كنت عليه، أخبريني ما المطلوب مني؟ _سأعيدك الآنَ للقاع، و عليكِ أن تجد الحل وحدكِ. _ حسناً سأحاول. عدتُ للقاع، و وقفتُ رفعتُ يدي للأعلى، أغمضتُ عيني، عدت بذاكرتي لأقسى كلامٍ بحتُ به، وجدتني أعيش الموقف مجدداً:أقفُ قبالةَ فتاة هزيلة في المدرسة و أهزأ من شكلها، لكن الآن اقتربتُ منها و وضعت يدي الطيفية على قلبها وهمست: آسفة، أعدكِ سأصلح الأمور عندما أعود، فقط سامحيني.. ارتفعتُ شبراً، وتتابعت المواقف و الذكريات و في كل مرة أطلب الغفران، وأشعر برعشة قلوبهم كنتُ أرتفع أكثز، يخف الثقل أكثر، حتى أمسكَني الموج بعنفوانه و رماني نحو الشاطئ، و تحديداً على جسدي الذي كان ممدداً على الشاطئ، و فتحت عيني عائدةً لوعيي و سعلتُ كثيراً، كأنني ابتلعت المحيط، وعندما اتضحت الصورة أمامي رأيتُ عائلتي متحلقةً حولي، عانقتهم تباعاً، باكيةً معتذرةً وهم في ذهول، وتتالت الأيام وتبدّلت حالي تماماً، وأصبحتُ الفتاةَ الشديدةَ اللطيفة. و أما عن تلك المرأة وصدى صوتها المشوب بالتعليمات الذي ساقني للمحيط فقد تلاشى تماماً وغاص في غموض كما مغامرتي التي لم يصدقها أحد.

#ربوع_جابر

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.