للكاتب الريادي: رفيق عبد الناصر البيسواني 

على حائط الذكريات
و انا في غمار خوض معركتي مع ظلامي في ليلتي الفائتة, بالنسبة لي لم يعد غماراً ، فلا طعم للمغامرة ان اصبحت عادة حتى أن وسادتي المحشوة لم تعد تخشى الأشباح التي تختبأ تحتها و كالعادة ايها السادة وجدتني ملقىً في صندوقٍ مغلقٍ محاطٍ بالظلام من كل الجوانب ، نهضت بعد سقوطي لانفض ما بقي من غبار النور على جسدي النحيل و لكي أكون صادقاً مع نفسي اولاً ، يعجبني هذا الكون المظلم الكبير على صغره ، فهنا لا شيء حولي سوى الظلام و لكن، و لأول مرةٍ منذ معرفتي لهذا المكان، لمحت نوراً ضئيلاً من بعيد ، و لكي لا أخفي ، سبب ليَّ الإزعاج..

 و لكن كنت متشوقاً رغم ذلك لخوض مغامرةٍ جديدة اسميتها، و انا الذي لا أجيد تسمية شيء، و لكنني احب ذلك

، بإكتشاف النور في وسط الظلام او دعونا نطلق عليها، 

النقطة البيضاء داخل الكون المظلم مغامرةٌ فريدةٌ من نوعها كنت اقترب أكثر فأكثر و يزيد النور توهجاً كلما اقتربت و العجيب في الأمر أنه كان كالحرباء يغير ألوانه، فمرةً يصدر منه ألوان الطيف السبع، و مرةً يصبح مسوداً ، 

و تارةً أخرى يعود للأبيض الناصع هناك قبل بضعةِ امتارٍ من ذلك الحائط الضخم دُقَّتْ لافتةٌ على الأرض لم ألحظ ما كُتب عليها جيداً و لكنني أعتقد أنه كان "" أهلاً بك في جدار الذكريات ""ألافٌ من الشاشات المعلقة على هذا الجدار بإحكام و كأنني دخلت فجأةً و دون إذن مبنىً لمحطةٍ تلفزيونية كان اسمها أنا فقد لاحظت أن كلَّ ما يعرض هنا يدور حولي ألهذه الدرجة أنا محض اهتمام البشر!و لكن مع التدقيق في الأمر 


، و مع استخدام ذكائي الخارق الغير ضروري الاستخدام ، تبين لي أنها ذكرياتي أنا ، و أنا وحدي من أشاهدها!اصبت بالدوار و أنا أحاول التركيز على واحدةٍ منها أجل هذه ، إنها ليست بالبعيدة فأنا اذكرها جيداً ، إنه يوم ودعت ابن عمي قبل سفره ، لقد كان شقيقي الأكبر ،اشتقت له حقاً!حاولت العثور على أشياءٍ أقدم من تلكفوجدتها، إنه انا في أول يومٍ لي في المدرسة ، كم كنت أبدو مضحكاً و أنا أمشي إلى صفي بترددٍ و خوفٍ كالذي يمشي إلى حبل مشنقته!و ذلك اليوم الذي لعبت و اخوتي فيه بالمضارب حتى أضنانا العياء ، وابلٌ من ذكريات الطفولة الجميلة آهٍ لو تعود!تابعت التصفح على ذلك الحائط الهائل ،


 و فجأةً سمعت صوت دويٍ لا أدري إن كان في رأسي فقط ام كان في أرجاء المكان!و لكنني لاحظت أن الحائط قد اهتز قليلاً ، أم أنني اتوهم!إنها أول قذيفةٍ محشوةٍ سقطت أمامي ، لم تكن الوحيدة ، بل كانت تمهيداً للعشرات بعدها، لا أدري كيف نجوت من جميعها ، كان بإمكانها أن تحسم أمري بثوان .ذلك الوجه، أنا أعرفه جيداً، إنه الوجه الذي ما انفك أن يضحكنا و رسم بسمتنا ، ها أنا أراه نائماً أمامي ، و من شدة حبه لتلك الرصاصة ، أسكنها قلبه ، أم أنهم أسكنوها غصباً!بدأ رأسي يؤلمني، 


من أين اتى هذا الحائط اللعين!عائلة من النساء و الأطفال معهما شيخان طاعنان بالسن يهاجرون سيراً على الأقدام بحثاً عن الأمان ، إنها عائلتي أنا ، أجل أتذكرها جيداً!فليطفأ أحدٌ هذه الشاشات اللعينة رجاءاً!و بدأت الذكريات المريرة تنبثق أمامي لا أدري إن كانت تستقصد إرهاقي ، أم إن ذكرياتي بغاية السواد كواقعي!و استمرت تمر أمامي حتى غربتي عن أهلي لا أدري ما الذي حدث بعدها و كأن وحشاً ما في أعماقي فك قيده و تحرر لينقض بشراسة الأسد الجائع على فريسته المسكينة و وجدتني ، لا إرادياً ، أحطم ذلك الجدار حجراً حجراو انقض على تلك الشاشات واحدةً تلو الأخرى حتى أصبح الجدار ركاماً غمرني حتى رأسي و أصبح المكان خراباً كنت جزءاً منه فبدل أن أخوض مغامرة النور وسط الظلام، 

حولتها إلى ركامٍ وسط الظلام و استطعت بذلك إطفاء ذلك النور الذي أزعجني و إطفاء نفسي معه و لمحت تلك اللافتة تستدير نحوي و قد كُتب عليها ""أهلاً بكم في مكب النفايات ""!و ما الفرق بين مستودع الذكريات و مكب النفايات!أليس التخلص منها أفضل من الاحتفاظ بها!و ارتسم نداءٌ درويشيٌ في ذهني كان يقول:آهٍ ما أصغر الأرض ما أكبر الجرح آهٍ ما أكبر الأرض ما أصغر الجرح! و لقد علمت أنني كبرت حقاً منذ أن كفت جنية الأسنان عن زيارة وسادتي! رفيق البيسواني|🖤

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.